أخبار هامة
   

عندما يكتب ” العميد ” …(خلود الفناء / فناء الخلود: تصالح الثنائية )

23 أكتوبر, 2016

ثنائية الخلود/الفناء Mortality/Immortality متأصلة فى التراث الإنسانى والأدبى. يؤكد فرويد على غريزة البقاء بداخلنا ورفضنا للموت كنهاية حتمية: “الجميع سيموت إلا أنا”. فالوجود أنا وأنا الوجود عند فرويد والانفصال عن هذا الوجود مكبوت غريزيا ويقبع فى ركن دفين من اللاوعي. ويأتي الإبداع, كما يؤكد فرويد Freud, كوسيلة تعويضية محققة للخلود, دافعة له بفعل غريزة البقاء.
ونجد أفلاطون Plato فى نظريته الشهيرة عن “المثل” Ideals يتعرض لثنائية الخلود/الفناء, الروح/الجسد. فالروح خالدة أبدية والجسد فان زائل, وعالم “المثل” مستقر أبدي فى حين أن عالم الواقع مزيف متغير, فتتصارع الروح لتتحرر من الجسد وتعود إلى أبديتها. وأوضح كانط Kant أن البقاء للإنسانية لا للأفراد؛ فالنفس الفردية إذا فارقت البدن انضمت إلى الجوهر الكلي واتحدت به. ويعتقد باسكال Pascal بوجوب الخلود بعد الموت, فإذا خلد الإنسان فسوف يجازى نتيجة إيمانه, أما إذا فني فلن يضيره ما كان يعتقد من الخلود. وهذا يذكرنا بقول المعري:
قال المنجم والطبيب كلاهما
لا تُحشر الأجساد قلت إليكما
إن صّح قولكما فلست بخاسرٍ
أو صحّ قولي فالخسارعليكما
ويطالب هيدجر Heidegger وسارتر Sartre بأن ينفتح الإنسان لفكرة الموت بفرح وفخر لأن ذلك يرهف وعيه بالحياة, وهذا فى حد ذاته خلود يقاوم الفناء الذي نغص على الوجوديين عالمهم.
ويؤكد الكندي على خلود النفس بعد الجسد المتحلل, فعلاقة الروح بالجسد عارضة, متحدة به لكنها خالدة بعد فنائه, ترتحل إلى الضياء الأعلى حتى تلتحم به. ويقول الفارابي إن النفس صورة الجسد وجوهر روحي مباين له, ويذهب إلى خلود النفس الفاضلة التي تسعى لتحقيق السعادة وفناء النفوس الخبيثة مع الجسد. ويرى ابن سينا أن علاقة الجسد بالنفس عَرَضيَّة, وآراؤه في النفس لا تخرج عن مقالة أفلاطون عن العالم غير المحسوس الذي هبطت منه النفس, أما خلود النفس، فيقول ابن سينا إن الذي لا يفنى منها هو العقل الفعّال، أما النفس الناطقة فتفنى بفناء الجسد. وفى الصوفية, الإنسان يموت ليبقى مع الله, والموت عندهم اتصال بالمطلق, سفر الى الخلود الأبدي. فالموت كما يرى ابن عربي هو الفناء الكلي, اكتمال الفناء بصورته المثلى, أي أن يلتحق الوجود الجزئي بوجوده الكلي فيفنى الوجود السابق في الوجود الأصيل.
وتقبع هذه الثنائية غائرة فى اللاوعي الجمعي Collective Unconsciousحيث تعود إلى قصة الخلق الأولى وعلاقة آدم “بشجرة الخلود” التي يخلد في القرآن من يأكل منها: “فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى” (طه,120 ). ونزل آدم فى الكتاب المقدس إلى الأرض بعدما أكل من “شجرة المعرفة” محروما من الخلود, معذبا فانيا على الأرض لتبدأ رحلته في استعادة الخلود والفردوس. ويقول الرسول بطرس تعبيرا عن خلاص خلود الإنسان الممتد من السيد المسيح: “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح, الذى حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي, بقيامة يسوع المسيح من الأموات, لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل, محفوظ فى السماوات لأجلكم” (بطرس 4-3:1), كما يعلن الرسول بولس: “مخلصنا يسوع المسيح الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل” (10.1). وفى الإسلام؛ الروح والجسد نقيضان متلازمان ينفصلان ليتحدا لتتصالح الثنائية فى أسمى صورها: “منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى” (طه, 55). وفى الهندوسية, تذوب “اتمان” Atman – الذات الفردية – فى “براهما” Brahman – ماهية العالم وأصل كل الموجودات – لتعلن “ايتمان”: “أنا هو براهما” I am Brahman لتتحقق وحدة الخلود. وفى البوذية تتحقق النرفانا Nirvana – توقف الغرائز فى طوباوية الخلود – عندما يصل الإنسان إلى الكمال بعد سلسلة متصلة من الموت والولادة ليصبح زاهدا ناسكا. واتخذت الزرداشتية ثنائية الخير والشر فى وجود قوة أعظم من الإنسان هي سبب الخلق وهي قوة الخير (الإله اهورا مزدا Ahura Mazda) تقابلها قوة الشر (الإله اهريمن Ahriman). والإنسان يحاسب في العالم الآخر فيعاقب الأشرار بالفناء ويثاب الأخيار بالخلود.
وكان ولع القدماء فى الصين والهند والغرب, ومن العرب أمثال جابر بن حيان, بتحقيق الخلود ظاهرا جليا. حاولوا اكتشاف حجر الفلاسفة Philosopher’s Stone من خلال إعادة تركيب العناصر الأولية للوجود ليتحقق الخلود بتناول هذا الإكسير السائل الخرافي. كما أتى القدماء بالعديد من الرموز للإشارة إلى الخلود هروبا من الفناء. فالأفعى Serpent رمز متكرر فى الأديان والأساطير للخلود. فهى مَنْ أغوت حواء لتأكل التفاحة المحرمة لتفنى البشرية وتخلد الأفعى, وهى مَنْ أكلت نبتة الخلود فى أسطورة “جلجامش” Gilgamesh لتنعم بالخلود ويفنى البطل, وهى من تصاحب ملوك الفراعنة فى رحلتهم نحو تحقيق الخلود, وهى الكامنة فى شجرة الحياة الزرادشتية, لا تتزحزح مذكرة بشجرة المعرفة العبرانية. وبالتالي فهى أبدا رمز الحياة والشفاء التى تغير جلدها لتحيا المرة تلو الأخرى. ثم هناك طائر العنقاء Phoenix الأسطوري الخالد في قصص سندباد في ألف ليلة وليلة الذي يموت كل ألف سنة محروقا ليولد جديدا من رماده. وهناك “مفتاح الحياة” Ankhعند القدماء المصريين الذي يرمز للحياة بعد الموت ويحمله الآلهة وملوك الفراعنة, وهو مفتاح الحياة الأبدية. والثنائية حاضرة بقوة فى أسطورة عشتار Ishtar العراقية بأن يعقد اتفاق بين عالم الأموات وعالم الأحياء فتعيش عشتار ستة أشهر في عالم الأموات وستة أشهر في عالم الأحياء, فحينما تهل عشتار إلى العالم العلوي تنبعث الحياة بهيجة في الطبيعة (فصلا الربيع والصيف) وعندما تعود الى العالم السفلى تتوقف الحياة ويغيم الحزن (فصلا الخريف والشتاء).
والتراث الأسطورى زاخر بثنائية الفناء/الخلود. نرى ذلك فى أسطورة أوزوريس Osiris الذى أعادته زوجتة ايزيس Isis من عالم الموتى ليعود ثانية ليصبح ملكا فى مملكة الموتى محققا الخلود. ونراها فى أسطورة بيرسيفونى Perseophone التي اختطفها هاديس Hades, إله الموت, إلى العالم السفلي ولم تعد إلا بعد اتفاق الآلهة لتمكث ثمانية أشهر من كل عام مع الأحياء وأربعة مع الأموات, ومن هنا كان فصل الشتاء قارصا حزينا على مغادرة بيرسيفونى الجميلة. وهناك أخيليس Achilles, نصف الإله الإغريقى, الخالد الجسد إلا من كعب قدميه الذي لم تمسه مياة نهر الستايكس Styxالخالد, فصار الخالد الفاني. وهناك أورفيوس Orpheus, صاحب القيثارة الساحرة, الذي يذهب إلى عالم الموتى لاستعادة زوجتة يوريديس Eurydice, وعندما يفشل يموت كمدا ليجتمع شملهما مخلدين في العالم الآخر.
وثنائية الفناء/الخلود حاضرة فى التراث العربى. فالوقوف على الأطلال عند الشاعر العربى الجاهلي, وإن كانت ظاهريا بكاء على ماض صار عدما, لكنه إحياء لذات المكان وتخليد له, كما أن رثاء هذا الشاعر للأموات لهو بعث لأمجادهم وبطولاتهم تخليدا لهم. وينتصر الشاعر الجاهلى على الموت بمواجهته وجها لوجه في ساحة القتال, فإما النصر ليتحقق الخلود فى الدنيا وإما الموت ليتحقق الخلود فى التراث. والحب أيضا هنا صفري النزعة, فيموت المحب العذري ولعا بالمحبوبة بفعل أشجانه وعذاباته. يعيش متوحدا بها, محققا للخلود بإزالة صفاته وإثبات صفات المحبوبة. فهو يحيا حين يموت. يقول قيس بن الملوح:
أمـوت إذا شطّت وأحيـا إذا دنت وتبعث أحزاني الصبا ونسيمها
فمن أجل ليلى تولع العين بالبكا وتأوي إلى نفس كثـير همـومهـا
كـأن الحشـا من تحتـه عـلقت بـه يد ذات أظفار فأدمت كلومهــا
ثم نجد أبا العلاء المعرى بعد ذلك فى “رسالة الغفران” ينظر إلى الفناء باعتباره بوابة للخلود:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد
تعب كلها الحياة فما أعجب
إلا من راغب في ازدياد
إنّ حزنا في ساعة الموت أضعاف
سرور في ساعة الميلاد
ونجد أبا القاسم الشابي فى قصيدة “إلى الموت” يبحث عن الخلود فى الموت هروبا من قسوة الحياة, فيتغنى بخلود الموت الذى هو انتصار عليه وعلى حتمية الزوال:
إلى المــوت ! لا تخـش أعماقــه ففيهـا ضيـــاء السمـــاء الوديــــع.
وفيهــا تميـس عـذارى السمـاء، عـوارى، ينشــدن لحنــا بــــــديـع.
وفي راحهــــن غصــــون النـخيــل يحـركنهـا في فضــاء يضــوع.
تـضيء بـه بسمـات الـقـلـوب، وتخبـــو بـــه حســـرات الدمــــوع.
هـو الموت طيـف الخلـود الجميـل، ونصـف الحيـاة الـذي لا ينــوح.
وفى “جمال الموت” لجبران خليل جبران, يحتفي الشاعر بالموت باعتباره خلودا محققا, تتحقق فيه الحرية بديلا عن القيود. فالفجيعة بقدوم المحتوم فرح واحتفاء بالخلود:
دعـــوني أنــم، فقــد سكــرت نفســي بالمحبــة
دعــوني أرقــد فقــد شبعـت روحـي مــن الأيــام والليالي أشعلوا الشموع، وأوقدوا المباخر حول مضجعي، وانثروا أوراق الورد والنرجس على جسدي وعفروا بالمسك المسحوق شعري، واهرقوا الطيوب على قدمي، ثم انظروا ما تخطه يد الموت على جبهتي.
خلوني غارقا بين ذارعي الكرى، فقـد تعبت أجفاني مـن هـذه اليقظـة.
اضربوا على القيثارات ودعوا رنات أوتارها الفضية تتمايل في مسامعي.
وفى المنجز الشعرى المعاصر, يعد الموت انتصارا للحياة على الهزيمة والانكسار؛ بوصفه تجددا وبعثا . يقول السياب فى “أنشودة المطر:
أود لو غرقت في دمي إلى القرار
لأحمل العبء مع البشر
وأبعث الحياة ، إن موتي انتصار.
ويرى أدونيس في موته استمرارا للقدرة على خصوبة الأرض, وبالتالى التجدد والخلود:
وإني جاحمٌ
أحتضن الأرض كأنثى
وأنام.
ويقول أمل دنقل مناجيا ابنة صديقه القاص يحيى الطاهر عبد الله ، وكله أمل ورجاء في تحقق خلود له :
ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمت !!
هل يموت الذي كان يحيا
كأن الحياة أبدْ ؟!
ومحمود درويش, وإن كان يدرك أن لكل بداية نهاية:
لا شيء يبقى على حاله/ للولادة وقت
وللموت وقت/ وللصمت وقت …..
ولا شيء يبقى على حاله …
كل نهر سيشربه البحر.
إلا أنه يستلهم الخلود والأمل حتى في الموت:
لا تضعوا على قبري البنفسج فهو زهر
المحبطين / ضعوا على التابوت سبع
سنابل خضراء إن وجدت / وبعض شقائق النعمان.
ولكن الخلود الأعظم عنده هو خلود المجتمع الفلسطيني و مقاومته للفناء, فيتحول الضمير- أنا -إلى الضمير- نحن:
ولم نزل نحيا كأن الموت يخطئنا،
فنحن قادرون على التذكر قادرون
على التحرر، سائرون على خطى
جلجامش الخضراء من زمن إلى زمن.
وفى النهاية يظل الفناء/الخلود هما أصل الوجود يتأكد من خلالهما أن رحلة الإنسان لا ترتكز على ثنائية تجعله يعيش معذبًا مكروبًا، بل رحلة تصالحية في جوهرها يدرك من خلالها أن الفناء/الخلود وجهان لعملة واحدة، مكنون واحد هو أصل الوجود وأصل الخالق لهذا الوجود المتصارع شكلاً, المتصالح مضمونًا.
كاتب المقال استاذ دكتور : أسامة مدنى
(أستاذ الأدب الانجليزى, عميد كلية الاداب, جامعة المنوفية, مصر)
11377281_10153305508599675_7368837959631505745_n11390001_871339329625394_286738658050874750_n11169869_10203036487833629_3798004203425033121_n11078115_818992901519479_1861610074158295161_n11403236_1610536232494444_1586633442821279195_n11825607_10206394007863407_4891407281031051400_n11265488_371321223057307_6764588574377341209_n

Comments

comments

عن الكاتب

الزهرة .. للكلمة عطرها

اعلانات الزهرة

جدنا على الفيس بوك

اعلان

مساحات اعلانية

اعلانات الزهرة

 DMCA.com Protection Status