أخبار هامة
   

“أدب”.. وداعا أيها النورس ”قصة قصيرة“ | علي الميهي

25 أكتوبر, 2016

أخذ طفلى الصغير الذى لم يتجاوز الشهر السابع بعد ثلاثة من السنين هى كل عمره الآن.. أخذ يلوًح بيديه الصغيرتين فى الأفق وهو يتابع بعينيه النجيبتين العسليتين الطائر الصغير الذى انطلق مرفرفاَ ـ الآن ـ فى خفة وسرعة ورشاقة ، باسطاَ جناحيه تاركاً السطح القماشى المزركش لشمسية الشاطئ التى كنا نستظل بها.

ففى ظهيرة ذلك اليوم من أيام مصيفنا السنوى الذى اعتدنا اقتسامه بين عروس البحر المتوسط- الإسكندرية- وبين مدينة النضال والصمود- بورسعيد- خرجنا أنا وصديق لى إلى الشاطئ ، واصطحبنا أولادنا الذين يتوقون إلى الاستمتاع بالسباحة فى مياه البحر الزرقاء، والانغماس فى رمال الشاطئ الناعمة النظيفة، يبنون قلاعهم، ويصنعون تماثيلهم الرملية التى ما تلبث أمواج البحر المزمجرة- أحياناً- أن تدُمر ما يبنون وتجرف ما يصنعون ولتهدأ أحيين، فيعاودون فى صبر وأناة البناء من جديد وكلهم حماس ونشاط.

وفى مثل تلك الأيام من شهر سبتمبر ” أيلول” تعترى البحر المتوسط تيارات موج عنيفة؛ هى إرهاصات لمقدم فصلَىْ الخريف والشتاء، أحيانا تحوُل هذه التيارات الشاطئ إلى مزيج من الرمل والطمى، حتى إن مياه البحر القريبة من الشاطئ تفقد لونها اللازوردى الرائع لتتحول إلى اللون الرمادى غير المستحب.

آثرنا أنا وصديقى أن ننطلق كعادتنا فى مثل تلك الأحوال ـ خاصة ونحن نجيد السباحة ـ إلى داخل البحر علََّنا ننعم بمياه نقية زرقاء، ورحنا نسابق الموج المتتابع الذى يغلب عليه الهدوء ، ويركن إلى السكينة كلما تعمقنا داخل لجُة البحر .. حيث يبتلع الموج زبده وغثاءه ليقذف بهما إلى الشاطئ فى استسلام.

وفى غمرة سباحتنا بمحاذاة الشباك العملاقة التى نشرتها مركب صيد متوسطة الحجم تقبع داخل البحر ، وعلى بعد بضع مئات من الأمتار من الشاطئ كنُا إذا ما كلُت أيدينا أو تعبت أرجلنا من فرط السباحة والحركة نلجأ إلى خيط الشباك الغليظ الذى يشبه سياجاَ ممتداً من مركب الصيد وحتى الشاطئ الذى انتشر فيه الآن أعداد كبيرة من الصيادين على مسافتين متباعدتين باتساع شباك الصيد، وشرعوا فى سحبها ، كل فريق يحرص على التغلب على الفريق الآخر المقابل ، وهم يهزجون ويحمُسون ويشجع بعضهم بعضاَ ويغنون ألحانهم المعتادة المألوفة، فى الوقت الذى تجمُع الصبية والكبار حول فريقى الصيد يلتقطون ما تناله أيديهم من أسماك صغيرة عالقة بالشباك المسحوبة ـ والتى غالبا مايعافها الصيادون لا يلتفتون اليها ولا يأخذونها ـ ، ويسرع الأطفال بوضعها فى أكياس بلاستيكية مملوءة بالماء فى مرح وسرور،

وهم يتدافعون فى تسابق أيهم يلتقط أولاً ما تقع عليه عيناه من أسماك؛ فمنهم من يطهو ما جمع من أسماك ، أو يقوم بتمليحه ليأكله بعد فترة من الزمن ، ومنهم من يجمعه- لا لغاية ـ إلا اللهو والعبث بما جمع ورؤيته يسبح داخل الكيس الشفاف لفترة من الزمن ما يلبث أن يموت بعدها.

واصلنا السباحة حتى صرنا على مقربة من مركب الصيد، واسترعى انتباهى شئ يتحرك فتكبر حوله الدوائر وتصغر، وظننتها سمكة كبيرة لأول وهلة ، وسبحت باتجاهها لأظفر بها، إلا أنًنى فوجئت بطائر صغير الحجم ضخم الجناحين يكاد جناحه يبلغ خمسة أضعاف جسمه، فحملته معى إلى الشاطئ، واجتمع بعض الذين لا يشغلهم شئ اللهم إلا البحث عما يلهيهم أو يستنفد طاقة فضولهم وحبهم إلى الاستطلاع يمسكون بالطائر الغريب بالنسبة لهم، بعضهم يسأل عما إذا كنا نريد الاحتفاظ به أم لا ؟، والبعض الآخر يعرض شراءه ،ثم جلسنا أنا وصديقى والأولاد نتأمل الطائر الذى لم يكن إلا ” النورس”، ومن ملاحظة جسم الطائر وجدت به كدمة أسفل أحد جناحيه أسقطته فى الماء وأشرف على الغرق، ولم يعد يقوى على مواصلة رحلة هجرته السنوية مع سربه الذى انتظم به من موطنه فى أوربا قاصداً دفء أفريقيا، ومجنباً نفسه بردا قارصاً يزحف بطيئاً فى فصل الشتاء على أوروبا، وخمٌنت أن الطائر يمكن أن يكون قد اصطدم أثناء طيرانه بالشراع الخشبى لمركب الصيد، وسقط على أثر ذلك فى الماء .. فأخذت الطائر بين يدًى وحاولت فرد جناحيه العملاقين عدُة مرات، وتعديل الريش الذى انثنى منهما من فرط الارتطام بالشراع، وتسابق الأولاد أيهم يمسك به واستأثر طفلى الصغير به وأمسكه بين يديه الصغيرتين فى حنٍو محتضناً إيَاه وهو يقول: “نورسى.. نورسى..”، وأسرع الأولاد بإحضار بعض الأسماك الصغيرة محاولين إطعام النورس الجريح، إلا أنه كان يلفظ ما يضعونه فى فمه بإباءٍ وشمم ،وكيف لا؟ وهو الذى يشاهد فريسته من الأسماك من الجو فينقض عليها- رغم ضآلة حجمه ـ ويلتهمها..وكأنه يردد قول الشاعر الكبير “فاروق جويدة “: (مثل النوارس.. لا أرى شيئاً أمامى غير هذا الأفق.. لا أدرى مداه ولا أريد، مثل النوارس.. لا أحب زوابع الشطآن.. لا أرضى سجون القهر.. لا أرتاح فى خبز العبيد، كم عشت أسأل ماالذى يبقى إذا انطفأت عيون الصبح.. واختنقت شموع القلب.. وانكسرت ضلوع الموج فى حزن شديد؟ لا شيء يبقى حين ينكسر الجناح .. يذوب ضوء الشمس .. تسكن رفرفات القلب .. يغمرنا مع الصمت الجليد)

وهنا قال صديقى : إنى ـ والله ـ لأحسب أن ” جويدة ” معنا يصف مانحن فيه حين يقول: (الطقس هذا العام ينبئنى .. بأن شتاء أيامى طويل ، وبأن أحزان الصقيع .. تطارد الزمن الجميل ، وبأن موج البحر .. ضاق من التًسكع .. والرَحيل ، والنورس المكسور يهفو .. للشواطئ .. والنخيل ، قد تسألين الآن .. عن زمنى وعنوانى .. وما لاقيت فى الوطن البخيل ، ماعاد لى زمنٌ .. ولا بيتٌ .. فكل شواطئ الأيام .. فى عينيُ ..نيل ).

قلت : صدقت ،إنها الخواطر نتقاسمها ونعايشها سوياً متخطين حاجزىَّ الزمان والمكان فى مايشبه الإعجاز .

كان هذا النورس هو تسليتنا فى ظهيرة ذلك اليوم، فبعد ساعة من لعب الأولاد معه؛ تارة يتركونه يسير الهوينى على الشاطئ، وتارة يغمسون رأسه فى الماء ليزيلوا ما علق به من رمال، وتارة يمسحون بأيديهم جسده الناعم وريش جناحيه الطويل.

ثم اقترحت على صغيرى الذى أمضى وقتاً لا بأس به فى مطاردة النورس الذى بدأت خطواته تتسع الآن ، وسرعته تتزايد عن ذى قبل ، كما ان حركة جسمه اكتسبت مزيداً من توازنها بعد أن كان يسير مترنحاً معوجاً .. اقترحت عليهم وضع الطائر على السطح القماشى لشمسيتنا علَّ دفء الشمس يعيد إليه بعضاً من حيويّته وتجدّد حرارتها نشاطه..

أخذ صغيرى يتابع ظّل النورس وخياله البادى من وراء سطح الشمسية وهو يهذّب ريش جناحيه بمنقاره ، لاوياً رقبته يمنةً ويسرة فى نشاطٍ وهمّة ، وبعد نصف ساعة أو يزيد شاهدنا على القرب سرباً من أسراب النوارس على هيئة الرقم ثمانية ،وما هى إلا لحظات حتى فاجأنا النورس الصغير بالطيران فارداً جناحيه العملاقين ، يبسطهما ويضمُهما بقوة ورشاقة ، ومحاولاً اللحاق بسرب النوارس الذى لم يزل بادياًَ لنواظرنا الشاخصة له وحالنا يردد قوله تعالى فى سورة “الملك “: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافّاتٍ ويقبضن مايمسكهنّ إلا الرحمن، إنه بكل شيئ بصير)

ووقفت وصديقى والأولاد وكلّنا يرقب فى انتظار لحظة سقوط النورس الجريح.. إلا أنّه أخطأ ترقّبنا، وخذل انتظارنا ولم يسقط النورس، وإنما أخذ يرتفع فى تحليقه كلّما اقترب من العمارات المحاذية للشاطئ مرفرفاً بجناحيه وكأنه يلّوح لنا تلويحة وداع وامتنان وشكر، محركاً برشاقة جسده الصغير مندفعاً للأمام ثم إلى أعلى، وأخذ الطائر يبتعد وكأنّى بنورسنا وعلى لسان ” جويدة ” يهتف محييا صغيرى: ( لا شيئ يبقى غير صوت الرًيح .. يحمل بعض ريشى فوق أجنحة المساء.. يعود يلقيها الى الشط البعيد ،فأعود ألقى للرّياح سفينتى.. وأغوص فى بحر الهموم.. يشدُنى صمتُ وئيد، وأنا وراء الأفق ذكرى نورس غنّى.. وأطربه النشيد، كل النوارس قبل أن تمضى تغنى ساعةً.. والدهر يسمع مايريد).

وأخذت يد طفلى تتعب من التلويح له، وفى عينيه الصغيرتين عبرة لمّا تزل تغسل مقلتيه، وحشرجة بكاء فى حلقه الصغير تغلب على نقاوة صوته، فحملته إلى حيث ظل الشمسية محاولاً تخفيف ألمه ، وتجفيف عبرته الساخنة وأنا أقول له: ألا تحب أن يلحق النورس الصغير بأمه وأبيه وإخوته كما أنت الآن معنا؟ وهنا فقط اختلطت دموع طفلى بابتسامته الصافية الحلوة، وراح يردد ويقول: “وهو ينظر فى الاتجاه الذى قصده النورس:

“وداعا أيها النورس”
“وداعا أيها النورس”

images-2-2fb_img_1476815493203

Comments

comments

عن الكاتب

الزهرة .. للكلمة عطرها

اعلانات الزهرة

جدنا على الفيس بوك

مساحات اعلانية

اعلان

مساحات اعلانية

اعلانات الزهرة

 DMCA.com Protection Status