أخبار هامة
   

“فى البحر صحراء، فى الصحراء بحر” بقلم : ا. د. “اسامه مدنى “

31 أكتوبر, 2016

“التماثل الشعرى بين ثنائية البحر والصحراء ”
أحادية الصورة الفنية تنميط لدلالتها، قولبة وتجميد لمستويات من المعنى يمكن أن تغوص فى العمق، لكنها تبقى هائمة على السطح، بلا ثقل. أما تعددية الدلالة لذات الصورة بربطها بنقيضها، فتكثيف وتعميق يضعانها فى مرتبة الإبداع. وتتعدد الدلالة للصورة الفنية بقدرتها على التصالح المرة تلو الأخرى مع ذلك النقيض. “فالبحر”، مثلا، يظل صورة أحادية، نمطية مهما تشابك معها الكاتب. فقد استهلكها الشعراء والفنانون على مر العصور. لا جديد. نقيضها “الصحراء” لن تكون أفضل حالا. فقد مرت عليها الدلالات الشعرية لتحيلها صماء، قاحلة أمام المبدع الجديد. أما قدرة الشاعر/الفنان أن يرى البحر صحراء، والصحراء بحرا؛ أن يصالح بينهما كصورتين متناقضتين، فتلك هى الحالة الإبداعية فى أسمى صورها. وهنا, يكون المبدع قد إنتقل بالصورة من أحادية الدلالة إلى تعددية لا نهائية، فيصقل بذلك “الحساسية الفنية”Refining of Sensibility كما يؤكد تى. إس. اليوت T. S. Eliot.

وقد فطن الرومانسيون الإنجليز فى القرن التاسع عشر إلى ضرورة سعى الفنان إلى التصالح بين الصورة ونقيضها كمتطلب للحالة الإبداعية. فيفرق كوليريدج Coleridgeفى “سيرته الأدبية” Biographia Literaria بين ثلاثة أنواع من الخيال هي منبع الحالة الإبداعية لدى الشاعر: “الخيال الأولى” Primary Imagination وهو غريزى، كامن فى اللاوعى، مهمته الإدراك مما ما يجعل الكاتب ملما بما حوله, وهو بذلك خاصية أحادية، غير إبداعية، يمتلكها الجميع ولا تميز أحدا عن الآخر.

ثم هناك “الخيال الثانوى”Secondary Imagination وهو مكتسب، كامن فى الوعى، مسئول عن الحالة الإبداعية فى أعلى درجاتها لأنه يتناول الفكرة/الصورة “فيذيبها، يفتتها، يبددها حتى يعيد خلقها” dissolves, diffuses, dissipates in order to recreate فنراها بشكل لم نعتده من قبل. وهذا الشكل الجديد يكمن، كما يقول كوليريدج، “فى التوازن أو التصالح بين الصفات/السمات المتقابلة أو المتنافرة” reveals itself in the balance or reconciliation of opposite or discordant qualities. وبالتالى فالخيال الثانوى لدى كوليردج هو من يمتلكه المبدع الحقيقى القادر على التصالح بين الأضداد المتنافرة: الحياة/الموت، الخير/الشر، الفضيلة/الرذيلة، الجسد/الروح، السماء/الأرض، البحر/الصحراء، وغيرها.

ثم يتطرق كوليردج إلى نوع ثالث من الخيال وهو “الخيال المصطنع” Fancy، وهو نوع من الذاكرة، فهو “يربط دون مزج” joins without blending، فلا يستطيع سوى خلق علاقات بين عناصر أولية, وبالتالى فهو غير قادر على الإبداع الحقيقي الذى يتطلب ربط المتنافر وليس المتماثل.

“الخيال الثانوى” إذا هو “السعادة من خلال الحقيقة” pleasure through truthلدى كوليردج؛ الملكة الإبداعية الفعالة القادرة على تحقيق الإستنارة والإمتاع بقدرتها على التصالح بين الأضداد المتنافرة. ومن هنا يستطيع الشاعر/الفنان أن يرينا العالم بشكل جديد، فريد.

“والبحر والصحراء”، صورتان شعريتان سعى الشعراء شرقا وغربا الى استكشافهما، فرادى غالبا وهو نوع من اللإبداع حسب كوليردج، حيث تظل الدلالات أحادية المنحى، نتاج خيال أولى أو خيال مصطنع؛ أو مجتمعين أحيانا وهو الإبداع الأصيل حيث تعدد الدلالة وتنوعها نتاج الخيال الثانوى. فصورة البحر أحادية مهما تنوعت وتشابكت على أيدى الشعراء، وكذلك الصحراء. أما كلاهما مجتمعين كنقيضين متصالحين، فحينئذ تكون لحظة التنويرmoment of illumination، الإبداع النادر، الغير شائع على إمتداد العصور. فالبحر والصحراء، صورتان تتناقضان لفظيا، تتصالحان دلاليا؛ تتباعدان فى الوعى، تتقاربان فى اللاوعى؛ تتنافران فى الظاهر، تتصالحان فى الباطن. الثنائية غائرة فى التراث الأدبى فتشابك معها الشعراء المبدعون لما لها من دلالة بصرية مهيمنة.

نرى ذلك عند وليم وردزورث William Wordsworth، الشاعر الرومانسى الإنجليزى الذى يراه كوليردج صاحب خيال ثانوى إبداعى أصيل. ففى بداية الجزء الخامس من قصيدته الشهيرة “المقدمة” The Preludeيصف وردزورث حلما، حيث يرى عربيا بدويا يمتطى جوادا وهو يحمل “تحت إحدى ذراعيه حجرا، وتحت ذراعه الأخرى صدفة””underneath one arm a Stone; and, in the opposite hand, a Shell.”. ويهرول هذا البدوى مسرعا بجواده فى الصحراء خوفا من طوفان يلاحقه، حيث يريد أن يدفن الحجر والصدفة قبل أن تلحق به المياه المدمرة. ولكن يبدو أن مهمته ميؤوس منها، فالطوفان يلاحقه، يكاد يهلكه، وهو يرفض أى عون قد يقدمه له الشاعر:
“تركنى: ناديت عليه جهورا،
تجاهلنى، حاملا عهدتيه تحت ذراعيه،
رأيته جليا أمامى يمتطى جواده فوق رمال الصحراء،
تلاحقه أمواج عاتية لعالم يغرق سريعا.”
He left me: I call’d after him aloud;
He heeded not; but with his twofold charge
Beneath his arm, before me full in view
I saw him riding o’er the Desert Sands,
With the fleet waters of the drowning world
In chase of him.

صورة البحر والصحراء تمتزج هنا برمزية الحجر والصدفة، وهى ثنائيات متنافرة تتطلب تفسيرا تصالحيا. فالحجر، كما يفسره هنا الشاعر أودين W. H. Auden، هو رمز العلم والمعرفة، ويذكرنا هذا بحجر الفلاسفة والذى من خلاله يتم إعادة تركيب العناصر الأولية للوجود ليتحقق الخلود بتناول هذا الإكسير السائل الخرافي، وهناك الصدفة رمز الفن والخيال. فالحجر يرتبط بالصحراء فى حين ترتبط الصدفة بالبحر. والحجر (العلم) غزير (الصحراء) لكنه يمثل سندا يمكن من خلاله أن نلوذ به من المهالك (الفارس العربى مهرولا فى الصحراء). بينما الصدفة (الفن) هائم (الطوفان)، غير قابل للسيطرة، سيغرق الصحراء (العلم) ويحتويها بجبروته وهيمنته. ورغم التناقض الظاهرى هنا بين البحر والصحراء، بين الحجر والصدفة، بين العلم والفن, إلا أنهما يتصالحان فى الفارس البدوى الذى يحملهما معا، حريصا عليهما معا، راغبا فى إنقاذهما معا، رافضا أن يتخلى عن أى منهما رغم سطوة رمزية أحدهما على الآخر (البحر على الصحراء، الصدفة على الحجر، الفن على العلم). يعطى ورذورث إذا الأفضلية للصورة الأولى (البحر، الصدفة، الفن) على الثانية (الصحراء، الحجر، العلم) كونه شاعرا، لكنه لا يتخلى عن الأمل، ولو كان ضئيلا، أن كليهما، النقيضين، يمكن أن يتعايشا، يمكن أن ينجوا معا. فقط لابد من بذل المجهود، من النزول إلى المعترك ومساعدة الفارس البدوى فى مهمته العسيرة. فهلاك أحدهما هلاك للآخر.

ونرى كوليردج فى قصيدة “البحار القديم” The Rime of the Ancient Marinerوقد ماثل بين البحر والصحراء فى صورة شعرية بديعة. فعندما يقتل البحار طائر الألباتروس Albatross (القطرس) والذى أرسلته قوى الطبيعة لإنقاذ سفينته من الضياع، تبدأ الطبيعة فى معاقبته بأن تسكن الرياح ليبدو البحر فى ركوده كصحراء شاسعة، ممتدة:
“يوما بعد يوم، يوما بعد يوم،
ونحن عالقون، ولا نفسا ولا حركة،
كسفينة خاملة رسمت
على محيط مرسوم.

الماء، الماء في كل مكان ،
وها قد إنكمشت ثنايا المركب،
الماء، الماء، في كل مكان،
ولا أي قطرة نرشفها.”

Day after day, day after day,
We stuck, nor breath nor motion;
As idle as a painted ship
Upon a painted ocean.

Water, water everywhere,
And all the boards did shrink;
Water, water, everywhere,
Nor any drop to drink.

فالبحر، غزير الماء، رمز الحياة والخفقان، وقد تحول بفعل لعنة الطبيعة إلى صحراء قاحلة فى سكونه، وأضحى رمزا للموت والركود، وأصبحت السفينة وكأنها عالقة فى بحر من الرمال. والبحار وحيدا يعانى الغربة على إمتداد هذا البحر، أو كما يبدو، الصحراء الشاسعة:

“وحيدا، وحيدا، تماما وحيدا،
وحيدا فى هذا اليم الشاسع، الممتد.”
Alone, alone, all, all, alone
Alone on a wide wide sea!

والبحر والصحراء كنقيضان يرتبطان بالحياة والموت، بالخلود والفناء. فالبحر بداية الوجودThe Alpha of Existence، والصحراء نهايتها .The Omega of Existenceسطح الأول عندما تسكن الرياح يبدو ميتا لكن باطنه حيا، يعج بالحياة، وسطح الثانى يبدو حيا بتنوع كائناته، ولكن باطنه ميتا، يسكنه الفناء. ولكنهما كنقيضان يتماثلان عند اللورد بايرون .Lord Byron فهو يرى البحر، المانح للحياة، مدمرا فانيا لجبروت الإنسان وحضاراته الطاغية، محولا إياها لصحارى قاحلة:

شواطئك إمبراطوريات، تغيرت جميعها، عداك –
آشور واليونان وروما وقرطاج ، ما هي؟
مياهك محت جبروتها وطغاتها عندما كانت حرة، عفية،
شواطئها تذعن لكل غريب، عبد، أو متوحش، وتلاشت
فجفت ممالكها لتصبح صحاري.
(الطفل هارولد، الجزء الرابع)
Thy shores are empires, changed in all save thee-
Assyria, Greece, Rome, Carthage, what are they?
Thy waters wash’d their power while they were free,
And many a tyrant since; their shores obey
The stranger, slave, or savage; their decay
Has dried up realms to deserts:
(Childe Harold, Canto IV)

وقد تماثلت صورة البحر والصحراء فى الشعر المصرى الحديث، متمثلا الرومانسية الإنجليزية. نرى ذلك متكررا فى أشعار صلاح عبد الصبور ومحمد إبراهيم أبو سنة وفاروق شوشة وفاروق جويدة الذين تكررت لديهم صورة البحر والصحراء بحرفية بالغة. فالقراءة المتعمقة لهذا الشعر ترصد إستخداما مفرطا لصورة البحر والصحراء من منظور رومانسى غربى والتماثل البين بينهما. وينبع هذا التماثل من كونهما صورة شعرية تعبر عن التقارب الجغرافى بينهما فى المحيط العربى مما يجعلهما يمثلان صورة ذهنية تكاد تتطابق. فالبحر يتخذ أشكالا طوبغرافية تكاد تشبه الصحراء، والعكس. هؤلاء الشعراء الراغبون فى التكيف مع واقع متغير، بحثوا عن بدائل فى الذاكرة البعيدة، والأحلام غير المحققة لمواجهة واقع صادم فى أحيان كثيرة. وهنا يكمن التماثل بين صورة البحر والصحراء فى تمكين هؤلاء الشعراء من البحث عن بدائل تتخذ شكل رحلات رومانسية لاستلهام ذاكرة الماضى السعيد، أو البحث عن حب رومانسى يمكن من التصالح مع واقع مرير، أو استحداث قوى مانحة للحياة. لذا أصبح هذا التماثل مكونا فنىيا أصيلا فى أشعار هؤلاء الكتاب المحدثين.

ولكن هذا التماثل أو التقارب بين البحر والصحراء كصورة أدبية فى الشعر العربى المصرى الحديث له مرجعية فى الشعر العربى القديم. فقد تماثلت الظاهرتان دلاليا فى العربية منذ القدم، فنقول: “بحر الرمال” “وسفينة الصحراء”، بالرغم من طغيان صورة الصحراء على تفكير العرب بما فيها من كثبان وخيم وإبل وخيول وأغنام، عكس البحر الذى كان استثناء فى حياتهم وهو ما انعكس على أشعارهم.
وقد دفع هذا مصعب بن الزبيرى، الملقب بأبى العرب، بالإقرار بأن البر للعرب والبحر للروم:
“البحرُ للرّومِ لا تَجْري السفينُ به
إلاّ على غُــــــرَرٍ، والبَـرُّ للعَرَبِ”

وقد ارتبط البحر بالخوف والغموض والظلام كما يقول إمرؤ القيس:

“وليلٍ كمَوجِ البحرِ أرخى سُدولَـهُ
عليَّ بأنــــــــواع الهُمُوم ليبتلي”
كما جاء في “الأمالي” لأبي علي القالي، تعبيرا عن الهموم التى لا تفارق المرء بالبحر المحدق براكبه، البحر الذى يقذف أمواجه يمنة ويسرة كأفواج النعاج التى يرتمى بعضها فوق بعض، وهو ربط معبر بين صورتى البحر والصحراء موطن “النعاج”:

“ألا هل للهمومِ من انْفِـراجِ وهل لي من ركوبِ البحر ناجِ
أكُـلَّ عشيّـةٍ زوراءُ تَهـــوي بنــــا في مُظلم الغمــرات ســاج
كأنَّ قـواذفَ التيــــار منهـا نِعَـــاجٌ تَرْتَمينَ إلى نِعــــــــــاجِ
يشُــقُّ المــاءَ كَلْكَلُهـا مُلِحّاً علَى سَحٍّ من المِلْحِ الأُجاجِ”
والشاعر الجاهلى، طرفة بن العبد، وهو من شعراء المعلقات، يشبه ناقته ورقبتها اليافعة بسفينه تبحر فى نهر دجلة، كما تبحر الناقة فى الصحراء:
“هي طويلة العنق فإذا رفعت عنقها أشبه ذنب السفينة في دجلة تصمد.”
وهو تشبيه مائى قد لا يتوافق والطبيعة الصحراوية التى يقطنها طرفة،. لكنه يشبه الراحلة التي مضت بمن يحب تنهب الأرض ويتطاير من حولها الرمل لشدة سرعتها بالسفينة التي تشق أمواج البحر، فيتطاير الزبد من حولها ومن خلفها، فتقسم البحر كما يقسم المفايل الرمل أو التراب بيـــده ليرى إذا كان الأمر الذي سوف يقدم عليه خيرا أو شرا:

“كأنَّ حُـــدوجَ المالكيّـة غُــــــدوةً خلايا سفين بالنواصف من دَدِ
عَدوليَّة أو من سفينِ ابنِ يامنٍ يجور بها المَلاَّحُ طوراً ويهتـدي
يشقُّ حَبابَ الماءِ حيزومُها بها كمَــــا قسَّم التُرْبَ المُفايلُ باليَدِ
وأتلَع نهّـاضٌ إذا صَعَّدتْ بــــه كسُكّــان بُوصيِّ بدجلةَ مُصْعِدِ”

أما قيس بن الجهم فيصف الراكبين على متن السفينة بالخوف مشبهاً لهم بالإبل التي تقف رافعة رؤوسها. وكالعادة علاقة الصحراء (الإبل) بالبحر (السفينة) واضحة، جلية:
“أُجالِـــدُ صَفَّهم ولقد أرَاني على زَوْرَاءَ تَســــجُدُ للرّياحِ
إذا قَطعَتْ برَاكِبها خَلِيجاً تّذكَّرَ ما عليه مـــن جُنَـــاح
ونَحْنُ على جوانِبِهَا قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبلِ القِمَاحِ”
ثم ها هو بشر بن أبى خازم يصف حركة السفينة فى البحر “بالقرواء”، أى الناقة الطويلة السنام، وهو بهذا يعادل البحر بالصحراء، مصورا حركة السفينة بفعل الرياح كأنها تسجد لها:
“أجالد صفهم وقد أرانى
على قرواء تسجد للرياح”
ويتكرر كثيرا تشبيه الظعن المرتحل فى الصحراء بالسفن التى تسير فى عرض البحر. ومن ذلك قول إبن نمير الثقفى:
“لمن الظعائن سيرهن تزحف عوم السفين اذا تقاعس يجذف مرت بذى خشب كأن حمولها نخل مواقر حملها متضعف”
ثم يعكس الحلبى الصورة فيشبه السفن بالظعن المرتحل والملاح بالحادى الذى يحث أولاهن كأنه يحث بعيره على السير فى مقدمة الظعن:
“ما ترى السفن كيف تعلو حباب الماء مثل المطى تعلو الكثيبا وكأن الملاح إذ حث أولاهن حاد غدا يحث نجيبا”
كما يشبه إمرؤ القيس أيضا الظعن المرتحلة في الصحراء بالسفن العظام السائرة في البحر، وهو تشبيه يمازج بين النقيضين:
“بعينّي ظعن الحيّ لمّا تحّملوا لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرا فشبهتهم في الآل لما تكمشوا حدائق دوم أو سفينا مقيّر”
ثم هناك عمرو بن كلثوم من قبيلة تغلب البدوية والتى غالبا لم ترى البحر، مفاخرا بشجاعة قومه ووفرة عددهم، باستخدام تشبيه بحرى:
“ألا لا يجهلنْ أَحَـــدٌ علينــــا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
مَــلأْنا البَرَّ حتّى ضـاق عنّـــا وظهرَ البحرِ نَمْلَؤُهُ سفينــــا”
وهو تشبيه يتكرر مرة أخرى عند الوليد بن عبيدة الذى يشبه كثرة قومه وقوتهم بأمواج البحر العاتية دليلا على شدة البأس:
“يسوقون أسطولا كأن سفينة سحائب صيف من جهام وممطر كأن ضجيج البحر بين رماحهم إذا اختلفت ترجيع عود مجرجر”
وفي وصف السفن والمراكب، يقول المريمى وقد أشفق من إعتلاء صهوة هذه الخيول التي ليس لها قوائم ممتلئة ولا حوافر صلبة، فهذه الخيول أو المراكب مقيمة في البحر لا تبرحه وإن كان أصلها من البر. والصورة مرة أخرى تمزج بين رمز الصحراء (الخيل) والبحر (السفن):

“لمْ نزَلْ مُشفِقِين مُذْ قِيلَ سارتْ بك دُهْــمٌ قَلِيلَـــةُ الأَوْضــــاحِ
كلُّ مَبْطُوحَـةٍ خَلَتْ مِن شَـوًى عَبْلٍ ومِن حافرٍ أَقَبَّ وقَاحِ
أَصْلُها البَرُّ وهي ساكنةٌ في البَحْــــــــــــــــــــرِ سُــكْنَى إقَامـــــةٍ لا بَرَاحِ”

ثم يصف على بن جبلة البحر الهائج والذى يتصدى له في اندفاعه ومده سفنا سوداء كأنها الغربان (غوار) تضرب الموت بالموت، فإذا ضربها الموج سمعت له صوتا مبهما كأنه رطم الأعاجم. ومرة أخرى يستخدم الشاعر رمزا للصحراء (الغراب) ليعادل به صورة البحر :
” ومُغْلَولِبِ الآذىّ يَسْمُو لمـــــــــــدِّه غَوَارِبُ فيها المَوتُ بالمَوْتِ يَرْتَمِى
كأنَّ اعتلاجَ الماءِ في حَجَراتِهــــــا تَرَاطُنُ عُجْــــمٍ رَجَّعتْ بالتَّطَمَطُمِ”.
فالتراث الشعرى العربى، إذا، زاخر بالصور المماثلة، ولكن الصورة تتخذ وضعية ملحة مع الشعراء المصريين المحدثين منذ منتصف خمسينات القرن الماضى وحتى الألفية الجديدة. فهى الملاذ الذى يصف، يعوض، يشتبك من خلاله الشاعر بقضايا عصره الضاغطة. فقصيدة “الخروج” لصلاح عبد الصبور، من ديوان “أحلام الفارس الأخير” تلمح لخروج اليهود من مصر فى رحلة عبر الصحراء والبحر، فى حين أنها تتناول رحلة النبى محمد (صلى الله علي وسلم) من مكة الى المدينة. استلهام الرحلة البرمائية لليهود من التراث العبرانى و إسقاطها على الهجرة الصحراوية المحمدية تأكيد أن الهجرة هروب من الطغيان لن يمنعه بحر أو صحراء، فكلاهما واحد أمام إلحاح النجاة: عندما ينشق البحر أمام اليهود للعبور، يظهر القاع ليبدو صحراء جرداء.
وفى قصيدة “شذرات من حكاية متكررة وحزينة” فى ديوان “الإبحار فى الذاكرة”، يلعب الرحالة دورين متناقضين ظاهريا: “زاهد” حكيم قاطن للصحراء، “وصياد” مفتون يعلو البحار، باحثا بشخصيته المزدوجة تلك عن محبوبة شاردة. يتسلق الزاهد الصحراوى القلاع مقاوما العطش بحثا عنها، وهو سراب لن يفضى إلى شيء. ثم يتحول الزاهد فجأة إلى صياد، واقعا ضحية لسراب مماثل، باحثا عن المحبوبة فى قلب أمواج عاصفة بلا رجاء. ثم يستيقظ الرحالة لواقع مؤلم لا أمل فيه لامتلاك المحبوبة سواء كان زاهدا أو صيادا. يتماثل الزاهد والصياد هنا، الصحراء والبحر، على المستويين الرمزى والرومانسى. فلا ارتواء للزاهد فى الصحراء، ولا نجاة للصياد فى البحر. ستظل المحبوبة شاردة نصفها فى الصحراء، والنصف الآخر فى البحر.
تبنى هذه النزعة الرمزية الرومانسية الرائدة عند صلاح عبد الصبور لثنائية البحر والصحراء الثلاثى: محمد إبراهيم أبو سنة وفاروق شوشة وفاروق جويدة، والذين يعدون تكتلا شعريا للرومانسية الجديدة التى استلهمت روح مدرسة أبولو Apollo Group فى ثلاثينات القرن العشرين، والتى تعلى من قيمة الأمل فى قدرة الإنسان المعاصر على مواجهة الصعاب، والإيمان الكامل بقدرة الطبيعة البشرية على التجدد بصقل المشاعر.
ففى قصيدة محمد إبراهيم أبو سنة “أحزان سحابة لا تريد أن تمطر” يماثل بين صورة البحر والصحراء عندما تنجلى حقيقة خديعة النصر فى حرب مع عدو بنى عليها كل آماله. فيقوض تلك الآمال فى صورة بحرية يرى فيها السفن وقد غرقت فى الميناء، والجزر وقد قلبتها الأمواج السوداء فتختنق الحقيقة حتى الموت. وتلك رمزية جلية تعبر عن أكاذيب النصر المهلكة التى تبناها قادة الأمة. “فالكذب”، كما ينهى الصورة، “لا يولد سوى كذبا”. ثم يعقب ذلك بصورة صحراوية مهلكة موازية للصورة البحرية السابقة. فالصحراء تطارده، وعلى الرمال، تأتى سكرات الموت، فيعود خوفا من الصحراء. وتلك رمزية أخرى تقضى على البقية الباقية من الأمل. فالبحر والصحراء هنا مصدر هلاك وانكسار، فيتماثلان فى الرمزية والدلالة السلبية.
ثم نجد فاروق شوشة فى قصيدة “وجه أبنوسى” من ديوان “وجه أبنوسى”، يستكشف الشاعر الوجه الداكن لمحبوبته الذى يراه على صفحة مياة بئر صحراوى بفعل انعكاس ضوء الشمس الحارق، فتلطف المياه الباردة صورة المحبوبة. لكن شفتي المحب عطشى لن تلطفها نسمات البحار. وهنا البراعة فى التلاعب بثنائية البحر/الصحراء كصورة رمزية لاستكشاف وجه المحبوبة.
وأخيرا، تتماثل صورة البحر والصحراء عند فاروق جويدة، فى رمزية ، رومانسية، مركبة. ففى قصيدة “حتى الحجارة أعلنت عصيانها”، يبنى جويدة إزدواجية شكلية بين الصلب والسائل، الثابت والمتحرك، الجماد والحى، ثم يصالح بينهم. يقول الشاعر فى هامش القصيدة: “بينما كان العمال يهدمون كوبرى أبو العلا، فجأة توقفت الات الهدم، غير قادرة على تكسير صخرة ضخمة – فى وسط النيل. ويقال أنهم سمعو الصخرة تتأوه ليلا.” تبدأ القصيدة بالصخرة، التى يرتكز عليها الكوبرى فو وسط النيل، وهى تقاوم قوى الهدم والتغيير، “فتصرخ فى العراء”، حيث “وقف الحزين على ضفاف النهر يبكى فى أسى”. هذا التشخيص للصخرة يجعلها إبن شرعي للنيل، يقاوم الإنفصال عنه، ويزيده إلتصاقا به عندما تحين لحظة الإنفصال:
“يدنو قليلا من مياة النهر، يلمسها، تعانق بؤسه، يترنح المسكين بين الخوف والإعياء”
يمازج إذا الشاعر هنا بين صخرة جاءت من صحراء أسوان ومياة نهر النيل، بين صحارى مصر ومياهها، ليتحدا فى مواجهة قوى الهدم البشرية. فمن هذه الصخرة شيدت حضارة بأكملها:
“”لمحوه عند السد يحرس مائه، وجدوه فى الهرم الكبير، يطل فى شمم، وينظر فى إباء، لمحوه يوما كان يدعو للصلاة على قباب القدس، لمحوه فى القدس السجينة يرجم السفهاء،
وهنا يعادل الشاعر بين قيمة الصخرة ونهر النيل، رمز حضارة مصر، والذى وهب الحياة للصحراء. هنا، تهب الصحراء (الصخرة) مثلها مثل النيل، الحياة لمصر أيضا.
وأخيرا تستسلم الصخرة لمعاول الهدم، فيسحقه العمال، فى حين ينظر إليه النيل يائسا:
“صوت المعاول يشطر الحجر العنيد، فيرتمى فى الطين، تنزف من مآقيه الدماء، ويظل يصرخ والمعاول فوقه، والنيل يكتم صرخة خرساء.”
وبفقدان هذا الابن الوفى، يتأسى النيل يائسا وترثى الصخرة حالها فى صورة تلخص التصالح التام بين قطبى الحضارة المصرية: الصحراء والنهر، الصخر والماء:
“قولوا لهم بين الحجارة عاشق، عرف اليقين على ضفاف النيل يوما فاهتدى، وأحبه حتى تلاشى فيه، لم يعرف لهذا الحب عمرا أو مدى”
ولكن بذوبان الصخرة فى النيل، يتحد الاثنان، فيعود الابن إلى الأب، خالدين معا ضد فناء معاول هدم الإنسان. ستتحول الصخرة إلى طمى يدفعها النيل لإخصاب الأرض. وهنا نهاية يسودها التفاؤل:
“سيظل شيء فى ضمير الكون يشعرنى بأن الصبح آت، أن موعده غدا، ليعود فجر النيل من حيث ابتدى، ليعود فجر النيل من حيث ابتدى.”
تماثل صورة البحر والصحراء، إذا، يبدو أنه مكون ثقافى أصيل فى التراث الشعرى الغربى والعربى، حيث يلعب دورا محوريا نسبيا في البناء الشعرى، وهو بذلك يناشدكم إلى مزيد من البحث والتنقيب.

آ إ
ونحن نودع فصل الصيف البهيج بهدوءه ورحلاته، ترددت ثم قررت أن أشرك حضراتكم فى تأملآت قد تبدو ساذجة، غير ناضجة. فعندما كنت أذهب إلى البحر أرى اتساعه ثم ألحظ امتداده بالصحراء. فمياه البحر الشاسع تنتهى برمال الشاطىء التى تمتد إلى صحراء لا متناهية. فتعجبت كيف أن البحر والصحراء، النقيضين، أكثر قربا مما نتصور. فتساءلت: هل هما نقيضان فعلا؟ أم أنهما صورة معكوسة؟ هل البحر صحراء، والصحراء بحر؟
فقررت أن أستكشف الثنائية فى التراث الشعرى الإنجليزى والعربى، فربما تكون صورة البحر والصحراء أكثر تصالحا مما نعتقد. فكانت المقالة التالية التى ربما تحفذ إلى مزيد من البحث والتنقيب، وربما لا.
وهنا، أود أن أشكر صديقى العزيز أ.د. سعيد شوقى على مراجعة المقال، وعلى ما أبداه من ملاحظات. فله منى جزيل الشكر والتقدير.

كاتب المقال : ا.د. اسامه مدنى
عميد كلية الاداب – جامعة المنوفية

Comments

comments

عن الكاتب

الزهرة .. للكلمة عطرها

اعلانات الزهرة

جدنا على الفيس بوك

مساحات اعلانية

اعلان

مساحات اعلانية

اعلانات الزهرة

 DMCA.com Protection Status